محمد متولي الشعراوي
9334
تفسير الشعراوي
كما أن المكان يختلف إعداده وترفه حَسْب المُعِدْ وإمكاناته ، فالإنسان العادي يُعِد مكاناً غير الذي يعده عظيم من العظماء ، فما بالك إذنْ بمكان أعدّه لك ربك عَزَّ وَجَلَّ بقدراته وإمكاناته ؟ وقوله : { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا } [ طه : 76 ] . نعلم أن الماء من أهم مقومات الحياة الدنيا ، فبه تنبت الأرض النبات ، وفيه تذوب العناصر الغذائية ، وبدونه لا تقوم لنا حياة على وجه الأرض . والحق سبحانه وتعالى ساعةَ يُنزِل مطراً من السماء قد لا ينتفع بالمطر مَنْ نزل عليه المطر ، فربما نزل على جبل مثلاً ، فالنيل الذي نحيا على مائه يأتي من أين ؟ من الحبشة وغيرها . لذلك جعل الخالق عَزَّ وَجَلَّ كلمة { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } [ طه : 76 ] رمزاً للخضرة وللنضارة وللنماء وللحياة السعيدة الهانئة ، حتى الإنسان وإنْ لم يكُنْ محتاجاً للطعام بأنْ كان شبعان مثلاً ، يجد لذة في النظر إلى الطبيعة الخضراء ، وما فيها من زرع وورود وزهور ، فليس الزرع للأكل فقط ، بل للنظر أيضاً ، وإنْ كنتَ تأكل في اليوم ثلاث مرات ، والأكل غذاء للجسم ، فأنت تتمتع بالمنظر الجميل وتُسَرُّ به كلما نظرتَ إليه ، والنظر متعة للروح ، وسرور للنفس . وكأن الحق تبارك وتعالى يقول لنا : لا تقصروا انتفاعكم بنعم الله على ما تملكون ، فتقول مثلاً : لا آكل هذه الفاكهة لأنها ليست مِلْكي ، لأن هناك متعةً أخرى : { انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } [ الأنعام : 99 ] فقبل أن تأكل انظر ، فالنظر متعة ، وغذاء مستمر .